الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي

75

موسوعة التاريخ الإسلامي

لو كانوا يريدون اللّه أو يعملون له ما خالفونا ، ولكن القوم إنّما يقاتلوننا فرارا من الأسوة ( التسوية في العطاء ) وحبّا للأثرة ( التفضيل فيه ) وضنّا ( وبخلا ) بسلطانهم ، وكرها لفراق دنياهم التي في أيديهم ، وعلى إحن ( وحقد ) في أنفسهم ، وعداوة يجدونها في صدورهم ، لوقائع قديمة أوقعتها بهم قتلت فيها آباءهم وإخوانهم . ثمّ التفت إلى الناس وقال لهم : فكيف يبايع معاوية عليا وقد قتل أخاه حنظلة وخاله الوليد وجدّه عتبة في موقف واحد ؟ ! واللّه . . . لن يستقيموا لكم دون أن تكسّر فيهم الرماح ، وتقطّع السيوف على هاماتهم ، وتنتثر بعمد الحديد حواجبهم ، وتكون بين الفريقين أمور جمّة « 1 » . فقال له زياد بن النضر الحارثي الهمداني : إنّ يومنا ويومهم ليوم عصيب ! ما يصبر عليه إلّا كل رابط الجأش الشجاع صادق النية ! وما أظن أن يبقى ذلك اليوم منهم ومنّا إلّا الأراذل ! فصدّقه ابن بديل الخزاعي ! فقال لهما الإمام عليه السّلام : ليكن هذا الكلام مخزونا في صدوركما لا تظهراه ولا يسمعه منكما سامع ! إنّ اللّه كتب القتل على قوم والموت على آخرين ، وكلّ آتيه منيّته كما كتب اللّه له ، فطوبى للمجاهدين في سبيل اللّه المقتولين في طاعته ! فلما سمع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المرقال ما قال ، قال : يا أمير المؤمنين ، سر بنا إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم ، الذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم ، وعملوا في عباد اللّه بغير رضا اللّه ، فأحلّوا حرامه وحرّموا حلاله ، واستهواهم الشيطان ووعدهم الأباطيل ومنّاهم الأماني ، حتّى أزاغهم عن الهدى وقصد بهم قصد الردّي ، وحبّب إليهم الدنيا ، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها ، كرغبتنا في الآخرة لإنجاز موعود ربّنا .

--> ( 1 ) وقعة صفين : 101 ، 102 .